المجتمعات تعيد روايـة تأريخها بنفسها

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
04/11/2008 06:00 AM
GMT



لعل من أكثر الظواهر اللافتة والجديرة بالتحليل في وسائل الاتصال الجماهيري العربية، وتحديدا القنوات التلفزيونية الفضائية، هو ظهور الدراما التأريخية، أي الدراما التي تتناول أحداثا تأريخية، سياسية في الأغلب. لقد شهدت السنوات القليلة الماضية كمّا كبيرا جدا من هذه الدراما، بما يسمح لنا بأن نعدها ظاهرة، تستدعي تفسيرا عن الخلفيات التي أنتجتها، والأطر التي تتحرك فيها، والوظائف التي تؤديها.
هذا التحديد يلقي بنا في صلب حقل (الدراسات الثقافية)، المفهوم خطأ في الكتابات العربية، والذي تشكل الثقافة الشعبية مادته الأساسية، فالدراما التلفزيونية هي عنصر أساسي في الثقافة الشعبية اليوم، على الرغم من أنها لا تستجيب بسهولة لثنائية (الثقافة الراقية/ ثقافة العامة)، التي هي تعارض أساسي في تحديد (الثقافة الشعبية). فمن جهة، ينحو التأليفُ الخيالي بالدراما التلفزيونية إلى أن تكون أقرب إلى (الأدب الراقي)، وتحديدا إلى الأعمال السردية، على غرار الرواية والقصة وما إليهما، ولكنها ـ أيضا ـ جزء مما يُسمّى في الدراسات الثقافية (الوقائع الفنية artifacts الفردية)، التي تخاطب، ويجري تلقيها من، الجمهور العام، وهو المحدد الأساسي للثقافة الشعبية، فضلا عن أنها تستعمل وسائط الثقافة الشعبية نفسها، وفضاؤها التداولي هو الفضاء التداولي لجزء أساسي من الثقافة الشعبية.
بل ـ أكثر من ذلك ـ إن ملمح (الأدب الراقي) الذي فيها (التأليف الخيالي الفردي) يُستَعمَل لتعزيز وظيفتها في مجال الثقافة الشعبية، فقد أصبحت هذه الدراما عنصرا أساسيا في صناعة الخيال الشعبي والمتصوّرات الشعبية.
لقد سمحت الدراما التأريخية التلفزيونية بنشوء ما يمكن أن نسميه (التأريخَ المصوّر)، فبعد التراث الكبير في كتابة التأريخ، ولا سيما التأريخ السياسي، سواء في كتب تأريخ، أو عبر فنون سردية (روايات، ملاحم، مسرحيات، سير شعبية، . . .)، ظهرت الدراما التلفزيونية التأريخية، التي تتفرد بأنها تقترح أسلوبا جديدا في كتابة التأريخ يقع بين التأليف التأريخي التقليدي والفن، فمن جهة تبدو هذه الدراما كأنها (إعادة تمثيل) للتأريخ، أي كأنها كتابة تلفزيونية له، ومن جهة ثانية، تمارس الدراما التأريخية كتابة التأريخ من خلال خيال مواز.
أما في الجوهر فلم تكن ظاهرة الدراما التأريخية العربية مجرد تكرار، أو تقليد، أو موضة، ولا مجرد بحث كسول عن قصص جاهزة في الماضي، وهي أوسع من التصور اللوكاشي عن الرواية التأريخية بأنها تقديم لمشكلات الحاضر من خلال الماضي.
إنها، أتصوّر، تعبِّر عن حاجة هذه المجتمعات إلى إعادة رواية تأريخها، ولا سيما تأريخها السياسي، بعد عقود من احتكار الدولة لصناعة ورواية التأريخ الوطني ووضع هذا التأريخ في خانة المحرّمات، أو في قوائم الممنوعات التي يحددها إيديولوجيون يديرون مؤسسات ضبط تُسمّى (وزارات الإعلام) في أنظمة قابضة على المجتمع وتأريخه.
الآن، تتمكن هذه المجتمعات من إعادة رواية تأريخها، بسبب (وعبر) الفضاء الاتصالي الحر الناشئ، الذي تشكل شبكة الإنترنت والقنوات التلفزيونية الفضائية عماده الأساسي. هذا الفضاء هو أكبر من طاقة الدولة على السيطرة عليه وضبطه، بل هو عنصر أساسي في مناهضة الأنظمة الشمولية وتفكيكها.
لقد أنتجت الثقافة العربية ظاهرة فريدة في الرواية التأريخية، هي ظاهرة جرجي زيدان، الذي قدّم سلسلة مهمة من الروايات التأريخية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. غير أن إنتاج الرواية التأريخية في الثقافة العربية توقف بسبب الأنظمة الثورية التي سيطرت على الحكم وتحكمت بكل تفصيلات الحياة. ربما كان هذا دافعا لأن يتابع الروائيون حركةَ التأريخ، لا من خلال السياسة، بل من خلال الحراك الاجتماعي وتحولات البنية الاجتماعية. وقد أنتج هذا التحول فنا عظيما، ربما يتمثل في أحد أهم أعمال الرواية العربية الحديثة، ثلاثية نجيب محفوظ، التي هي عمل فريد في التأريخ للمجتمع المصري في فترة ما بين الحربين العالميتين.
والآن، بعد أن فقدت الأنظمة آلياتها المتحكمة، نشطت الرواية التأريخية، غير أنها لم تعد إلى استنساخ تراثها المكتوب، فلم تظهر على شكل روايات، بل على شكل دراما تلفزيونية، بسبب أزمة الثقافة المكتوبة وصعود فنون الصورة، ولكن أيضا بسبب التحول في الخطاب التأريخي من التأريخ الرسمي إلى التأريخ كما ترويه المجتمعات، أو ـ بالمصطلح الساحر الذي يستعمله هوارد زن ـ (التأريخ الشعبي).
غير أن امتلاك المجتمعات روايةَ تأريخها لا يعني أنها ستروي الحقيقة، فليست هناك حقيقة في التأريخ، بل هناك رواية. والدراما التأريخية تماثل الكتابة التأريخية عموما في أنها ليست تقديما لحقيقة تأريخية، بل هي رواية، تتحكم بها شروط، ودوافع، ورغبات، وأطر، وعقد، وصراعات، وموجهات.
أريد، هنا، أن أناقش مسلسل (الباشا)، الذي قدمته قناة فضائية عراقية عن سيرة السياسي العراقي الأبرز في العهد الملكي ورئيس الوزراء لمرات عدة، نوري السعيد.
يقع هذا المسلسل في نقطة تقاطع التأريخ والسياسة، أكثر من كونه عملا فنيا. إنه مسلسل سياسي، أو ـ بدقة ـ مسلسل عن التأريخ السياسي. ولذلك، كانت شخصياته فواعلَ سياسية، وليست شخصيات روائية، من لحم ودم وسايكولوجيا، فقد ابتدأ المسلسل أحداثه من سنة 1921، سنة قيام الدولة العراقية الحديثة، ولم يحفل بسيرة نوري السعيد قبل هذا التأريخ، طفلا، أو شابا، أو تكوينا، أو شخصية، بل لم يحفل حتى بسيرته السياسية قبل 1921، فالسعيد كان ضابطا عثمانيا، كما أسهم في الثورة العربية سنة 1916.
كانت قضية المسلسل هي الدولة العراقية، وليس نوري السعيد، أو نوري السعيد بوصفه مجازا عن الدولة العراقية.
وعلى نحو أوسع، كان المسلسل تعبيرا عن حاجة المجتمع العراقي إلى إعادة رواية تأريخه، بعد أن سيطرت الدولة على روايته لعقود.
لقد أُنتج في العراق، بين نهاية السبعينيات وأوائل التسعينيات، عدة أفلام ومسلسلات تدخل في إطار دراما التأريخ السياسي. وقد كانت هذه الأعمال تعبر عن وجهة نظر رسمية في التأريخ، تتزامن مع الدعوة التي أطلقها صدّام حسين لـ (إعادة كتابة التأريخ).
أما اليوم فالمجتمع العراقي يروي تأريخه خارج أية سيطرة.
لقد اتجه مسلسل (الباشا) إلى رواية تأريخ العهد الملكي بطريقة مغايرة للطريقة التي رُوي بها في العهود الجمهورية. طبعا هذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها تناول الرواية الجمهورية للتأريخ الملكي بشكل نقدي، فثمة بحوث نقدية كثيرة تناولت الحقبة الملكية في العراق. غير أن هذه البحوث تنتمي إلى المعرفة العلمية (الراقية)، التي تتعارض مع الدراما التلفزيونية من حيث هي عنصر في صناعة الخيال الشعبي.
غير أن المسلسل ليس فقط تعبيرا عن امتلاك المجتمعات القدرةَ على إعادة رواية تأريخها، بل هو يكشف عن موقفها من هذا التأريخ والمنظورات التي تتحكم بها في روايته.
لقد حاول المسلسل أن يقدم صورة أخرى لنوري السعيد، الذي قُدِّم في الأدبيات الجمهورية بوصفه سياسيا غير وطني، عميلا لبريطانيا، والعدو الأول للتيارات السياسية (الوطنية) في العراق.
بالأحرى، يعبر المسلسل عن خيبة مرة، لدى جزء غير قليل من المجتمع العراقي، من العهود الجمهورية وحنينا، غير مفهوم وغير معقلن ربما، إلى العهد الملكي. ولذلك، كان المشهد الأول فيه مشهد 14 تموز 1958، حين كان (الثوّار) يطاردون ويبحثون عن نوري السعيد، لأن المشكلة الأساسية للمجتمع العراقي الآن ليست مع العهد الملكي، بل مع الإرث الجمهوري، إرث الخيبة والدم الذي خلّفته الجمهوريات التي تعاقبت على العراق.
المشهد الأول رسم (ثوّار) 14 تموز بملامح الشر، ليس انتقاما مما يُسمى في الأدبيات العراقية (ثورة 14 تموز) فقط، بل من كل التأريخ الجمهوري، انتقاما أوديبيا من الأب الذي رسم وتحكم بثقافتنا وخيالنا ورواياتنا.
أمر مهم أن تمتلك المجتمعات القدرة على إعادة رواية منطقة من تأريخها ظلت محرمة عليها. ولكن، إلى أي حد تستطيع الخلاص من الإرث الثقيل الذي خلّفته الجمهوريات.
حاول المسلسل أن يعيد النظر في (وطنية) نوري السعيد وفي المسلمة الجمهورية بعمالته، فقدّمه بأنه الباني الأهم للدولة العراقية الحديثة، جزءا من محاولة قلب المنظور الذي تحكّم برؤية ورواية تأريخه. غير أن المقاربة التي استعملها المسلسل لإثبات وطنية نوري السعيد هي تقديمه بأنه لم يكن على ود مع البريطانيين، أو مناهضا لهم على نحو ما، لا يختلف كثيرا عن الثوّار الذين انتفضوا ضده ووصفوه بالعمالة لهم.
وبالنتيجة، لم يستطع المسلسل الخلاص من منظور (الوطنية)، الذي بنته الجمهوريات، والذي يشكل العداءُ للغرب عنصرا أساسيا فيها، وهكذا، قُدّم السعيد سياسيا وطنيا بالمنظور نفسه الذي بنته الأنظمة الثورية. وهذه هي مفارقة المسلسل الكبرى: أنه لم يستطع أن يقدم نوري السعيد وطنيا، بمنظور آخر للوطنية.
وفي النهاية، هذا مثال على الحدود التي يمكن أن تخرج بها مجتمعاتنا على الإرث الجمهوري، الندبة السوداء الأزلية فينا.